لم أكن أفهم معنى الصلاة حقًا. كنت أظن أنها مجرد دقائق أقضيها ثم أعود إلى حياتي، وكأنها واجب ينتهي بمجرد التسليم. كنت أصلي أحيانًا، وأؤجلها أحيانًا أخرى، وأقنع نفسي بأن الله غفور رحيم، وأنني سألتزم عندما أكبر، عندما تستقر حياتي، عندما يصبح لدي وقت. لكن ذلك "الوقت" لم يكن يأتي أبدًا.
ومع مرور الأيام، بدأت ألاحظ أن شيئًا في داخلي يتغير. لم أعد أشعر بالراحة التي كنت أبحث عنها. كانت الضحكات مؤقتة، والإنجازات قصيرة، وكلما انتهى شيء جميل عاد ذلك الفراغ ليسكن قلبي من جديد. كنت أبحث عن السكينة في الناس، وفي الهاتف، وفي السهر، وفي الهروب من التفكير، لكن كل شيء كان يمنحني راحة تنتهي بسرعة.
وفي يومٍ شعرت أن الدنيا كلها أثقل من أن أتحملها. لم أجد أحدًا أفهمه، ولم أستطع أن أشرح لأحد ما يدور في داخلي. وقفت أتوضأ ببطء، وكأن الماء يغسل شيئًا أكبر من التعب. دخلت في الصلاة، ولم أكن أحفظ كلمات جديدة، ولم أقل دعاءً طويلًا، لكنني كنت حاضر القلب لأول مرة.
عندما سجدت، شعرت أنني أضع فوق الأرض كل ما أثقل روحي. كل خوف، وكل حزن، وكل قلق، وكل دمعة لم أستطع أن أُظهرها لأحد. أدركت أن الإنسان قد يخفي ضعفه عن العالم كله، لكنه لا يحتاج إلى أن يخفيه عن الله.
انتهت الصلاة، ولم تتغير الحياة في تلك اللحظة. بقيت المشكلات كما هي، وبقيت الظروف كما هي، لكن الذي تغير كان قلبي. أصبحت أنظر إلى كل شيء بطريقة مختلفة، وكأن الله منحني قوة لم أكن أملكها قبل دقائق.
ومنذ ذلك اليوم، فهمت أن الصلاة ليست لأن الله يحتاجها، بل لأننا نحن من نحتاجها. هي استراحة وسط ضجيج الحياة، وطمأنينة في وقت الخوف، ونور عندما تظلم الطرق. هي الموعد الذي لا يخذل صاحبه أبدًا، حتى لو خذله الجميع.
كم من إنسان كان يظن أن السعادة في المال، فاكتشف أنه ما زال حزينًا. وكم من إنسان امتلك كل شيء، لكنه فقد راحة قلبه. لأن القلب لا يمتلئ إلا بالقرب من الله، ولا يستقر إلا إذا عرف طريقه إلى السجود.
الصلاة ليست خمس دقائق تُؤدى، بل خمس فرص يمنحك الله إياها كل يوم لتعود إليه، مهما أخطأت، ومهما ابتعدت، ومهما ظننت أن ذنوبك كثيرة. ففي كل أذان، يناديك الله من جديد، وكأنه يقول: "تعال... فما زال الباب مفتوحًا."
قد تنطفئ روحك من كثرة التعب، وقد تشعر أن الحياة لا ترحم، لكن لا تنسَ أن هناك سجدة واحدة صادقة قد تغيّر قلبك كله. وربما يكون أعظم قرار تتخذه في حياتك، ليس قرار دراسة أو عمل أو سفر، بل أن تحافظ على صلاتك، لأنها الشيء الوحيد الذي سيبقى معك حين لا يبقى أحد.
فإذا شعرت يومًا أن الدنيا ضاقت بك، فلا تبحث أولًا عن شخص يسمعك، بل ابحث عن سجادة صلاتك. فقد تجد في سجدةٍ واحدة ما لن تجده في ألف حديث مع البشر.



❣️❣️❣️
رديها